ثقافة ال(معرفش)

لاحظت أنها بدأت ترددها بكثرة ، وتتسرب بوفرة عبر مفرداتها الصغيرة ، وتتكرر تباعاً في إجاباتها المختصرة .. وكأنها أصبحت الجواب الحاضر ، والمخرج الآمن ، والوسيلة السهلة السريعة للخروج من المشاكل ..
- أين قارورة أخيك يا حلوتي؟؟
- معرفس
- أين وضعت لعبتك؟؟
- معرفس
- هل يمكن أن تساعديني في ترتيب الحجرة..
- أنا صغيرة ، معرفس
..لقد أصبحت (المعرفس) طبقاً لمفردات سنيها الثلاثة ، أو (معرفش) تبعاً للهجة العامية ، أو (لا أعرف) تبعاً للفصحى..هي وسيلتها الآمنة للتهرب من المسؤوليات ، أو لضمان متابعة فيلمها الكرتوني المفضل دون مقاطعة ، أو للتأكد من عدم القيام بأية أعباء وواجبات تشغلها عن ألعابها..
بدأن أتساءل .. لماذا تكررت لديها هذه المفردة بالذات ؟؟ هل لكسلها ، أم لتهاونها ، أم أنها بذكائها أدركت نجاعة هذه الوسيلة التي يستخدمها الكبار بكثرة أمامها..
هل نحن نكررها فعلاً بكثرة ..وهل لها آثار سلبية ، وما أثر تكرار هذه الكلمة على بناء شخصيتها في المستقبل..؟؟
عندما تتأمل ثقافة المعرفش.. ستجدها من أكثر الثقافات شيوعاً وانتشاراً في مجتمعاتنا..
فنحن بلا فخر أكثر الشعوب استهلاكاً لثقافة المعرفش ..التي تبدأ صغيرة عند أطفالنا الذين نطمئن لصغرهم وبأنهم أطفال لا يعرفون ، فينشأون على التبلد والسلبية واللامبالاة ، ونقوم نحن باتخاذ جميع قرارات حياتهم نيابة عنهم بدءً من نوع اللعبة التي يريدونها .. حتى نصل بهم إلى قرار اختيار شريك الحياة .. وتتابع رحلة المعرفش في حياتنا فتبرر عجزنا عن مواجهة أبسط المشكلات وأيسر الأعطال المنزلية ، والذي يتغلف بغلاف منطقي من الأمثال الشعبية الدارجة "إدي العيش لخبازه"..حتى تصل بنا الرحلة إلى أن نكون أكبر الشعوب المستهلكة والمستوردة لمنتجات الغير والتي تغزونا غزواً من الإبرة وحتى الصاروخ -إن كان هناك حقاً صاروخ وليست هياكل متجمدة لا قيمة لها في ترساناتنا الحربية-..
ثقافة المعرفش هي المسؤولة عن فشلِك في اختيار تخصصك المناسب
ثقافة المعرفش هي المسؤولة عن وقوفك في طابور العاطلين الباحثين عن وظيفة لا تتطلب الكثير من المهارات العملية ، ولا تعتمد إلا على الأعمال الإدارية الرتيبة..
ثقافة المعرفش هي المسؤولة عن عجزِك عن تدبير شؤون منزلك ، وابتكار أصناف الطعام والشراب والرفاهية التي لا تزيد من أعباء الأسرة..
ثقافة المعرفش هي المسؤولة عن عجزك عن إصلاح الصنبور المعطل ، وتركيب الكرسي المكسور ، وإعادة برمجة حاسوبك المفيرس ، وصيانة الأجهزة المنزلية على اختلاف أنواعها..
هي التي تجعلك لا تلقي بالاً بأن تتعلم الكثير ، وتتقن الكثير ، وتكتسب المزيد من القدرات والمهارات في حياتك ، وتجعلك تكتفي بالشهادات الورقية الظاهرية المتراصة فوق جدار حجرتك ، والتي ربما لم تكسبك من الخبرات ربع ما تحتاجه في مستقبل أيامك..
أنا الآن أمام معضلة كبرى ، فقد بدأتُ خطة لمحاربة المعرفش في بيتنا ، وأعلنت لابنتي أنها كلمة سيئة لا يجب استخدامها ، وبدلاً منها يمكنك الإجابة على أسئلتي بالبحث عما يُعين على الإجابة ، ولكن لا تستسلمي لكلمة (معرفش) ..
الغريب أنني بدلاً من أن أراقب ابنتي بدأت هي في مراقبتي ؛ فاكتشفت هي واكتشفت أنا أنني من أكبر المسرفين في استخدام هذه الكلمة ، حيث بدأت تنهاني بشدة عن استخدامها..
وبات علي أن أُجيب على كل سؤال محير ، وأن أفسر كل موقف محرج ، وأكون على وعي بكل ظاهرة تلفت الانتباه..
بات علي أن أعرف آلية نزول المطر إلى الأرض ، وكيف يصل الماء لصنبور المياه ، ولماذا تطلع الشمس في النهار ثم تختفي في الليل ليظهر القمر ، ولماذا لا يمكننا الدخول إلى التلفزيون بكسره لنصل إلى الرسوم المتحركة ، وكيف ينعكس الظل على الحائط ، ولماذا ولماذا ولماذا..
بات علي أن أكون خبيرة في الجغرافيا وعالمة في الأحياء المائية وغير المائية ، وباحثة قديرة في الكيمياء والفيزياء وعلوم البيئة ، وملمة بقوانين الظواهر الطبيعية وعلم الأجناس البشرية وبعضاً من فصول الكيمياء الحيوية وأظنني على وشك دراسة النظرية النسبية و..و.., كل هذا ثمن لهذه الحرب الشعواء على المعرفش..
أعتقد أنها تجربة تستحق وتستحقين خوضها..
ارصد مفرداتك اليومية .. وحاسب نفسك على استخدام كلمة (معرفش)
حاول أن تستبعدها من مفرداتك واستبدلها بكلمات أكثر إيجابية تدفعك للوصول إلى الإجابة الصحيحة بدلاً من هذه الكلمة السلبية..
اجتهد في الأمر بكل دقة بحيث لا تدع لنفسك فرصة لمداولة كلمة (معرفش) ، وبعد مرور (أسبوعٍ) على الأقل ، (شهرٍ) على الأكثر لأصحاب الهمة ، ستجد أنك تخلصت من الكثير من سلبياتك وأصبحت أكثر إيجابية وقدرة ومهارة وفاعلية .

التعليقات

ثقافة المعرف..

كم تبدد الكثير من طاقاتنا!!