كنا قد توقفنا في الحلقة السابقة من هذا الموضوع عند الحالات أو الشخصيات الثلاث التي نتقمصها بين الحين والآخر. وقد رددنا مصدر هذه الحالات أو الشخصيات إلى مراحل العمر التي يمر بها كل منا.
وفي هذه الحلقة سنتحدث بالتفصيل عن هذه الحالات أو الشخصيات.
كلنا يتصرف مثل الأطفال أحياناً ، ولا أقصد بذلك الانتقاص من التصرفات الطفلية إذا ما كان هذا التصرف بشكل مقنن وفي موقف مقبول. على الإطلاق. عندما نتلبس الشخصية الطفلية فإننا لا نمثل ، بل نعيش هذه الحالة فعلاً .. نفكر ونشعر ونرى ونستجيب مثل الأطفال. وذات الشيء ينطبق طبعاً على الشخصية الوالدية والراشدة.
الطفل بطبيعته عفوي في شعوره بالحب والكراهية ، مندفعاً ، لعوباً ، يتصرف على سجيته وبحرية كاملة. كذلك فإن الطفل مبدع خصب الخيال ، لا يعرف حدود الزمان ولا المكان ولا العقل. ولذلك فهو في هذه الحالة الطبيعية "طفل حر".
لكن الطفل قد تتغير طباعه فيكون خائفاً ، ميالاً للشعور بالذنب وتأنيب الضمير ، متجنباً للمغامرة والانطلاق ونسميه في هذه الحالة الطفل المروّض أو "المدجن".
والشخصية الطفلية رغم جمالها ، فهي المسئولة عن كثير من المشكلات التي تقع لنا لأنها تميل للأنانية والانفعالية ومقاومة التغيير الذي تتطلبه مرحلة الرشد. لكنها في ذات الوقت هي مصدر الإنسان الوحيد للخلق والإبداع والإثارة والتجديد في الحياة. لذلك فإن احتفاظنا ببعض سمات الشخصية الطفلية أمر جميل جداً.
الشخصية الطفلية تكون في أوجها في مرحلة الطفولة طبعاً ، لكنها تنحسر تدريجياً مع تقدم العمر باتجاه سن الرشد ، فلا تعود تظهر إلا في مناسبات محددة مثل أوقات المرح والترفيه مثل لما الواحد منا يلعب كرة أو يلاعب عياله أو نحوه.
لكن ، لو قُدِّر أن تلبّس أحدنا هذه الشخصية - أو تلبّسته - في مواقف غير مناسبة للأطفال ، مثل الاجتماعات والمناسبات الرسمية ، فإنها تسبب مشكلة لصاحبها... والمشكلة الأكبر لو كانت الشخصية الطفلية هي المهيمنة دائماً ، لأنها في هذه الحالة ستقود الإنسان إلى تدمير ذاته و علاقاته وإلى الخلافات الأسرية والاجتماعية.
وهذه الحالة أشبه ما تكون بالشريط المسجل لأنها مجموعة من التسجيلات القديمة ، والأطر العقلية ، والأحكام المسبقة. عندما يتلبس أحدنا الشخصية الوالدية ، فإنه يفكر ويشعر ويتصرف تماماً كأحد والديه (أو رموز السلطة). أقصد أن الوالد هو الذي يقرر - دون أن يُطْلَبَ منه تفسير- ما هو الصالح وغير الصالح ، وما هو التصرف السليم في المواقف المختلفة ، وكيف نعيش حياتنا..الخ.
الوالد لغرض التبسيط يمكن أن يكون مسيطراً ، متسلطاً ، ناقداً وقد نسميه في هذه الحالة "الوالد اللوام".
ويمكن أن يكون رحوماً ، داعماً ، معطاءاً ، وقد نشبهه في هذه الحالة بـ "الصدر الحنون".
الشخصية الوالدية على وجه العموم تستخدم تسجيلات قديمة يزيد عمرها عن 25 سنة على أقل تقدير ، وقد يصل عمرها أحياناً إلى مئات السنين باعتبار ما تتوارثه الأجيال من مواد مسجلة صحيحة أو غير صحيحة.
هذه التسجيلات تكون مفيدة جداً في المواقف الجديدة علينا والتي لا نملك معلومات واضحة للتعامل معها لأنها تقدم لنا نموذجاً ينقذ الموقف من خلال أطر عامة نتصرف على أساسها.
طبعاً في مثل هذه المواقف الشخصية الطفلية قد تكون مفيدة أيضاً وقد تخرج بأفكار مبتكرة ، مبنية على البديهة أكثر منها على الحقائق ، لكنه لا يمكن الاعتماد عليها دائماً.
هذه الشخصية كمبيوتر بشري يعمل على المعلومات المتاحة والمعطيات المتوفرة لديه ، وفق برنامج المنطق العملي البحت ، لذلك لا وجود فيه للعواطف والانفعالات.
قد يعتقد البعض أن هذه أفضل الشخصيات وأن العواطف شيء سيء ينبغي السيطرة عليه بإحكام أو حتى استبعاده بالكلية. لكن الحقيقة هي أن العواطف أو الانفعالات هي التي تعطى طعماً ونكهة للحياة مثل الملح والسكر والبهارات بالنسبة للطعام.
ومن ناحية أخرى فإن استخدام الشخصية الراشدة لا يعني بالضرورة النضج والحكمة ، لأن الطفل الصغير قد يستخدم الشخصية الراشدة المتوفرة لديه لمعالجة معلومات معينة ، مثلما أن الشخص الكبير قد يستخدم الشخصية الطفلية أو الوالدية.
مهمة الشخصية الراشدة الأساسية هي توقع النتائج ، وتوفير تقييم دقيق للواقع معتمدةً على الحقائق فقط. وهذا التقييم المعتمد على الحقائق يختلف تماماً عن تقييم الشخصية الوالدية الذي يعتمد بالدرجة الأولى على القيم فقط أو تقييم الشخصية الطفلية الذي قد ينطلق من الرغبات والانفعالات فقط.
ننتهي الآن من الشخصيات الثلاث التي تتلبسنا بين الحين والآخر. لكن الأمور ليست بهذه البساطة. فكما أن المياه قد تتلوث ، والهواء قد يتلوث .. فالشخصية كذلك قد تتلوث. الشخصية الراشدة تستخدم فيما تحتاجه بعض المعلومات من الشخصية الطفلية أو الوالدية ، وهذا أمر طبيعي. لكن المعلومات التي تحصل عليها من هذين المصدرين قد لا تكون صحيحة ، وهنا يحدث ما يسمى بـ "تلوث الشخصية".
إذا كانت المعلومات المتوافرة للشخصية الراشدة حديثة ، فإن إجاباتها وحلولها التي تقدمها تكون مناسبة وفعالة ، مقارنة بتلك المعلومات القديمة التي اختزنتها الشخصية الوالدية ، وأمدتها بها مما قد يجعل الإجابات والحلول التي تأتي بها قديمة أو غير مناسبة للواقع.
عندما يفترض شخص ما على سبيل المثال أن العربي أفضل من العجمي .. فإن هذه معلومة جاءت من الشخصية الوالدية التي اختزنتها منذ آلاف السنين ، ولأن الشخصية الراشدة تقبلتها دون أن يكون هناك دليل واقعي يدعمها ، فهي تعتبر تلوثاً للشخصية الراشدة بالشخصية الوالدية. ونفس الشيء يمكن أن يحدث بين الشخصيتين الراشدة والطفلية.
مثلما قلنا قبل قليل فإن الشخصية الوالدية هي تسجيل قديم مليء بالأحكام المسبقة والمعتقدات الراسخة التي يمكن أن تنشط عندما نتلبس الشخصية الراشدة أو الطفلية. لذلك يأتي للعيادة من يقول أحس كأن شخصاً يقول لي افعل كذا ، ترى بيصير لك كذا ..أو أنت وكذا وفيك كذا...
طبعاً ليست كل تسجيلات الشخصية الوالدية قاسية لا تسمع منها إلا: "أنت سيء" ، "أنت مقصر" ، "أنت ضعيف" ، "أنت قبيح" ...."أنا أكرهك". وإنما يمكن أن تكون داعمةً ، مشجعةً ، ومادحةً تسمع منها عبارات الثناء والحب: "أنت ذكي" ، " ، أنت ممتاز" ، "أنت أمير" ، أنت حلو"...."أنا أحبك".
لكن أغلب ما نشعر به للأسف الشديد هو تحكمات الشخصية الوالدية الناقدة في الشخصية الطفلية ، فإذا شعرْت بالفرح لأمر ما قالت الشخصية الوالدية الناقدة "أنت ما تستاهل" ، وإن تضايقت من عمل ما ، قالت: "أنت بس تنتقد وتتضايق .. لكن ما تستطيع أن تفعل شيء مفيد" ، وإن جئت بفكرة إبداعية قالت: " أكيد انك فقدت عقلك! كان غيرك أشطر"
وهكذا تجعلك الشخصية الوالدية الناقدة تشعر بالألم باستمرار ، وتقوم بأشياء مع أنك لا تريد القيام بها.
ما هو الحل في هذه الحالات؟ هل هو الانتفاضة على الأساليب الوالدية ، والتمرد على القيم؟
بالطبع لا ، وإنما الحل هو تعزيز الجانب الآخر من الشخصية الوالدية الذي أسميناه الحانية الودودة أو تنشيط الشخصية الراشدة أو الطفل التلقائي.
نقطة أخيرة هنا أأكد عليها وهي أنه عندما يكون تلوث الشخصية كبير جداً لدرجة أن تسيطر إحدى هذه الشخصيات (الطفلية أو الوالدية أو الراشدة) تماماً فتستبعد بقية الشخصيات ، فإن ذلك يخلق مشكلة كبيرة للإنسان لأنه لا يمكن أن يستقيم له عيش متوازن بدون الحالات الثلاث.
وإلى لقاء في الحلقة التالية ...