بشرية الرسل والاقتداء

من المعروف أن الطفل ينشأ متأثرا بما يدور حوله من أقوال وأفعال وتصرفات فإذا رأى التناقض من قبل من يتولون تربيته فقد الثقة فيهم فى كثير من الأحيان، ولهذا فإن الوالدين عليهما تقديم القدوة الحسنة، حيث إن سلوكهما يعد كذلك، عنوان ما يراد غرسه فى نفوس أبنائهما، فإذا كان السلوك من قبلهما مستقيما مطابقا لنصائحهما وإرشادهما أدى ذلك إلى تحقيق الهدف المطلوب من التربية السليمة للأبناء.

أما إذا كان هناك تناقض بين النصائح التى تقدم للأبناء وما يحدث فى الواقع من أفعال فلا يجب عليهما أن ينتظرا الثمرة المرجوة من تربية أبنائهما.
فالطفلُ يبدأ باكتساب العادات والتقاليد والملكات من خلال ما يسمعه ويلاحظه من أقوال وحركات وانفعالات ، وبذلك فإنّه يقوم بالخطوات الأولى للإقتداء بالكبار باعتبارهم مثله الأعلى ، أي أ نّه يقول كما يقولون ، ويفعل كما يفعلون تشبّهاً واقتداءً بهم . فالإقتداء هو أن تقتفي خطّ السير بأن تقلّد الآخرين الذين تحبّهم ، وتثق بهم ، وتعتقد أن ما يقومون به هو الصواب . والإقتداء هنا هو مدخل من مداخل التربية والتعليم ، لكنّ الحاجة إلى الإقتداء قائمة ودائمة حتى آخر العمر ، وليست مرهونة بالطفولة فحسب .
القدوة اسم لمن يُقتدى به، فيقال: فلان قدوة إذا كان ممن يأتسي الناس خطاه, ويتبعون طريقته.
والاقتداء هو طلب موافقة الغير في فعله, واتّباع شخصية تنتمي إلى نفس القيم التي يؤمن بها المقتدي، وعادة ما يمثل شخص المقتدَى به قدراً من المثالية والرقي والسمو عند أتباعه ومحبيه, والقدوة تنطوي في داخلها على نوع من الحب والإعجاب الذي يجعل المقتدِي يحاول أن يطبق كل ما يستطيع من أقوال وأفعال.
ولكى يجد الأطفال القدوة الصالحة فى والديهم أو معلميهم ، أو المسئولين عن رعايتهم فى المجتمع لابد أن يكو ن هؤلاء متمثلين بالفعل القدوة الصالحة ، لابد أن يفهموا ويستوعبوا معنى الاقتداء، وأن يحولوا النماذج التى يقتدون بها الى حياة معاشة ، تتفاعل ومتغيرات الأحداث من خلال ايمانهم الحقيقى بهذه النماذج دون اخراج أو ترقية هذه النماذج لكائنات أعلى أو السمو بها الى مصاف أرقى من البشر .
ولا يمكن بحال أن يكون الاقتداء إلغاءً أو مصادرة للرأي والإرادة, أو ممارسة لضغط ما, أو قسر المقتدي على أمر معين؛ لأن الاقتداء منطلق من قناعة صاحبه؛ فهو جزء من إرادته وكيانه.
للقدوة تأثير كبير في تكوين شخصية الفرد وصقلها حيث إن الإنسان ميال بطبعه إلى التقليد والمحاكاة، وفي التربية الإسلامية يتحول هذا التقليد ويرتقي إلى مفهوم راق يطلق عليه "الاتباع"، وأرقى هذا الاتباع ما كان على بصيرة, يقول الحق سبحانه وتعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)(يوسف:108), فالاتباع عملية فكرية يمزج فيها بين الوعي والانتماء والمحاكاة والاعتزاز في ظل البصيرة والحجة.
وأعظم القدوات هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو القدوة المطلقة؛ فكل ما يفعله أو يقوله أو حتى يتركه هو محل أسوة وقدوة، يقول جل وعلا: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا".
و(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(آل عمران:31) , فهاتان الآيتان وغيرهما تشير إلى أن الطريق الآمن والدرب الموصل إلى المطالب إنما هو اتخاذ القدوة الصالحة واتباع الأسوة الحسنة,وهل هناك طريق أسلم من التأسي بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي اتفق الصديق والعدو على أنه كان في قمة الأخلاق الحسنة. وفي شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته يجد المرء الأسوة الحسنة في حياته كلها؛ فهو إنسان أكرمه الله سبحانه وتعالى برسالته، وسيرته شاملة لكل النواحي الإنسانية في الإنسان، فهو الشاب الأمين قبل البعثة والتاجر الصادق، وهو الباذل لكل طاقته في تبليغ دعوة ربه، وهو الأب الرحيم والزوج المحبوب والقائد المحنك والصديق المخلص والمربي المرشد والحاكم العادل,كما أنه صلى الله عليه وسلم ضرب المثل الأعلى في تربية الذات من جميع النواحي سواء في عبادته أو زهده أو خلقه الكريم أو غير ذلك,والمتأمل لسيرته يجد الحل الأمثل لكل المعضلات التي تقف حائلا دون إشعاع الروح وبلوغ صفائها ونقائها.
لقد ولد صلى الله عليه وسلم وبزغت شمسه في عصر مظلم تراكمت فيه العقائد الزائفة والمشاكل الاجتماعية؛ فكان الناس يعبدون الشجر والحجر، والشمس والقمر، وكان أحدهم إذا بُشّر بالأنثى (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ)(النحل:58-59)، ولكنه صلى الله عليه وسلم استطاع في زمن قصير أن يقضي عليها كلها، ويرسي بدلا عنها فكرةَ أن غاية خلق الإنسان هو التعرف إلى الله والقيام بالعبودية له، فعلّم الناس وربّاهم على سبل العيش المتوازن بعيدا عن الإفراط والتفريط، وإخلاص الأعمال لله تعالى، وملازمة الصدق، والوفاء بالعهود، وعدم الخيانة عند الائتمان، والشفقة على الأهل، والرفق بالنساء, وأرشدهم إلى العدل والتواضع والسخاء والمعروف والبر والحلم والصبر.
فالذين أحبوه واتبعوا مبادئه واقتدوا به واتخذوه أسوة في ذلك العصر، بنوا حضارة إنسانية يتمتع فيها الإنسان بإنسانيته ويحس بكرامته,حضارة أحرزوا فيها شأوا أعلى لم تزل تشع بنورها على العالم حتى الآن .
فها هم سادتنا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبو عبيدة وعقبة بن نافع رضي الله عنهم وطارق بن زياد والإمام أبو يوسف ومحمد بن الحسن والجابري وابن سينا وابن بطوطة والخوارزمي وبديع الزمان سعيد النورسي رحمهم الله تعالى وغيرهم ممن تركوا بصمات واضحة على عصورهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
ولقد علمنا التاريخ أن الذي سما بهؤلاء الدول والأشخاص وحلق بهم في الذرى إنما هو اتخاذهم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أسوة يحتذى به من كل الوجوه، وقدوة يؤتم به من كل النواحي.
وهناك نوع ثان من القدوة دون ذلك؛ فيُقتَدى به في جانب دون آخر, كالصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين, والأئمة كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم, فهؤلاء قدوة، لكنها ليست مطلقة كالنبي صلى الله عليه وسلم.
وثمة نوع ثالث من القدوة, وهو القدوة الواقعية الحيّة, والملاحظ أننا كلما تكلمنا عن القدوة نهرب إلى التاريخ! وهذا قد يشعر بشيء من العجز والإفلاس في الواقع, ويفترض أن يكون هناك بحث عن القدوة الواقعية بجانب القدوة التاريخية، وليس ضرورياً أن تكون هذه القدوة الواقعية مثالية كاملة من كل ناحية؛ فثمة فرق بين التأسي والقدوة؛ فالتأسي هو للرسول صلى الله عليه وسلم.
والاقتداء جاء مع الأنبياء والصالحين والصحابة وغيرهم "أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ"، (اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِى أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ) رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه.
فقد تجد في الحياة من يمكن أن يُقتدى به في إنجاز معين, أو تطور, أو خبرة, أو صفة من الصفات, ولو كان مخفقاً في صفة أخرى.
فلا يلزم أن يكون أنموذجاً ومثالاً كاملاً راقياً في كل جانب لكي يُقتدى به , بل يكفي أن يكون قدوة واقعية في بعض الجوانب يعيش بين ظهرانينا.
والإنسان محتاج إلى شخصية يعجب بها ويقتدي بأفعالها وسلوكها, إما في جزء من حياته، أو في حياته كلها.
فعملية الاقتداء هي غريزة فطرية في الإنسان, يغذيها ما طبع عليه الإنسان من التأثير والتأثر سواء كان رئيساً أو مرؤوساً, إضافة إلى الرغبة في المحاكاة والاستعداد النفسي للتقليد؛ فالطفل الصغير -مثلاً- بحكم ضعف خبرته وقلة معرفته محتاج إلى الاتكاء على شخصية أخرى كالأب أو الأم، ثم يتحول إلى معلمه، ثم إلى من يتماس معهم في حياته سلباً وإيجاباً.
ونحن بحاجة في هذا العصر أن نقدم لشبابنا قدوات ممن برزوا في الجوانب العلمية والإدارية والاقتصادية, حتى في جوانب التفوق على المشكلات التي يعانونها, بحيث تكون هناك ممارسة واقعية وعملية للقدوة.
إنه لم يمر بالمسلمين عصر احتاجوا فيه إلى إحياء معنى القدوة مثلما مر عليهم في العصر الحاضر، فأوضاع المسلمين لا تخفى على أحد.
والضخ الإعلامي من خلال الزخم الفضائي الهائل والإنترنت؛ مما صنع قدوات كثيرة للصغار والكبار, قدوات وهمية وحقيقية، فنية ورياضية وأخرى في الشكل والصوت والأداء والشهرة, والناس مشغولون ومتابعون، لمن يحقق شهرة أوسع.
ولذلك يأتي دورنا في تجلية القدوة الحقيقية فإن من أعظم ما نقدمه للدول الأخرى إذا جاءت كل أمة بعظيمها ومتبوعها أتيناهم بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فظهر الحق، وبطل ما كانوا يعملون.
وكلما كانت القدوة مستمدة من الحياة الواقعية التى يحياها المقتدى كانت أقرب الى التناول ، وأكثر قابلية للإقتداء ، واسوتنا الأولى وصحابته ومتابعيه هم بشر عاشوا الحياة الواقعية وواجهوا تحدياتها ، وشحذوا الهمم ، واجتهدوا فى الأخذ بالأسباب حتى تحقق لهم مبتغاهم ونشروا الرسالة التى كلفهم بها المولى عز وجل . لكن للأسف الشديد ، يركز البعض على الجوانب المعجزة لدى الرسول أو لدى الصحابة ، كحادث شق الصدر ، أو استظلال الغمام ، أو شق القمر ، أو تفجر المياه من بين أصابعه الشريفة . وقد بالغ الشعراء خاصة فى ابراز هذه المعجزات وتباروا فى التعبير البلاغى عنها . وقد انسحبت هذه المبالغات على الصحابة ، ومن اتبعهم بإحسان ، والتركيز على هذه الجوانب يباعد بين الإنسان العادى فضلا عن الطفل ، وهذه النماذج التى اختصها الله بمعجزاته ، وأظهر فيها آيات اعجازه . ومن ثم فقد جعلناها من حيث لاندرى أمورًا غير قابلة للتطبيق ، فهل أقارن نفسى أنا الإنسان العادى بمن اختصه الله بكراماته ومعجزاته ؟!!.
وابراز هذه النماذج باعتبارها امتلكت قوة من لدن العليم الحكيم ، يحولهم الى مصاف الملائكة ومن نريد أن يقتدوا به بشرًا وليسوا ملائكة ، ومن ثم نجد النموذج الذى نضخمه ونسهب فى الحديث عنه يظل مجرد حديث ولا يتحول الى فعل وحياة وابتعاث لقيم سلوكية نسعى لترسيخها فى النشء المسلم . نحول بهذا المثل الأعلى الى اسطورة ، والأساطير لامكان لها فى تفاعلات الحياة . ولنبداأ حديثنا بما يخص الرسول صلى الله عليه وسلم وهو القدوة الأولى والمثل الأعلى الأول لنا جميعًا ولنتأمل قول الله سبحانه وتعالى له :
﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً﴾(الإسراء: 93)
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ
عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 110)
وعلينا أن نستخلص الحكمة من توكيد القرآن على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم عندما اصطفى الله سبحانه وتعالى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم نبيّاً ورسولاً، وعندما صدع محمد صلى الله عليه وسلم بأمر ربه، فدعا الناسَ إلى التوحيد وإلى الإيمان به نبيّاً ورسولاً، لم تكن هناك شبهة على «بشرية» محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .
فهو قد نشأ يتيماً في الفرع الهاشمي من قبيلة قريش بمكة، وهو قد شب الشباب الطيب المألوف من البشر المستقيمين، ثم هو قد رعى الغنم حينا من الدهر ومارس التجارة حينا آخر كما كان يصنع أقرانه من البشر العاديين، فليس في حياته هذه ما كان يثير أية شبهة حول «بشريته» أو يلقي عليها الشكوك أو الظلال.
وعندما جاءه الوحى وكلف بتبليغ الرسالة ، كانت قريش كلها تعرف الكثير عن صفاته ، فهو الصادق وهو الأمين ، هذه المعرفة جاءتهم من خلال تعاملهم اليومى معه ، ورغم مقاومة قريش لفكرة التوحيد وقتها الا أنها لم تستطع الطعن فى أمانته وصدقه ، ولذلك حاولت أن تبرر عدم تصديقها لما جاء به بكونه قد أصابه مس من الجن ، أو علمه بعض السحرة ، أو أصيب باضطراب عقلى ، لأن صدقه كاقرارهم به كان يحتم عليهم تصديقه فيما بلغ به عن الله عز وجل . فأخذوا يبحثون عن مبررات غير منطقية لكى لا يفقدوا المكاسب التى كانوا يتحصلون عليها من خلال الحياة التى كانت تحكم مكة فى هذا الوقت .
ورغم أن الإيمان كلمة نرددها كثيراً، إلا أنها بفعل عوامل الزمن تحولت إلى همهمات وطقوس جعلت من الإيمان قولاً بلا عمل ولا معنى، إن مفهوم الإيمان الذي جاء به القرآن الكريم ومارسه النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته كان حركة في الحياة، وتفاعلاً مع سننها، وبه يتحقق الفلاح في الدنيا والآخرة.
إن ذلك الإيمان السمح الذي فهمه وتفاعل معه العالِم والإنسان العادي على السواء: قد تاه في الزحام، فغزته الفلسفات العقيمة، واخترقته الإسرائيليات الخرافية، وضيعته الروايات الكاذبة، ففقد صفاءه ونقاءه، وتحول إلى ماديات جوفاء لا روح فيها ولا حياة، إن الكثيرين اليوم -بسبب نظرتهم المادية- لا يتصورون حقيقة الإيمان إلا بوجود جن يتلبسون بالإنسان، ويمكن رؤيتهم، وسحرة لهم قدرات لا حدود لها يفرقون بها بين الناس، ورقى يعالجون بها مختلف الأمراض من السرطان إلى الزكام، وكرامات خارقة هي معيار الولاية والقرب من الله تعالى.
لقد ووجه أكثر الأنبياء بتصوّر النّاس حول شخصية النبيّ، وما يجب أن تكون عليه هذه الشخصية.. فإذا كانت النبوَّة حدثاً غير عادي، فيجب أن تتجسَّد في شخص غير عادي.. ولهذا فإنَّ من الضروري أن لا يكون النبيّ بشراً ما دامت النبوَّة مرتبطة بغير عالـم البشر.. وما دامت طرق الاتصال غير بشريّة.
ومن هنا وُلدت فكرة رفض تصديق الأنبياء، لأنَّهم بشر مثلهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.. وهذا الأمر لا ينسجم مع التصوّر العام للنبيّ الذي يجب أن يكون ملكاً من السماء ليصلح لحمل رسالة السماء.
وعلينا أن نؤكد على بشرية الرسل وأن نركز على الجوانب التالية :
الأول : استبعاد المفهوم الخاطىء القائل باختلاف الرسل فى طبيعتهم البشرية عن باقى البشر ، والتأكيد على أن الأمر الطبيعى هو أن يكونوا بشرًا ، وهو شرط ضرورى لتحقيق الانسجام بين الرسول وأتباعه ، لتكون العلاقة بينهما علاقة طبيعية ، لأن مهمة الرسول ليست مجرد البلاغ .. بل التجسيد الحى لما جاءت به الرسالة فلو لم يكن بشرًا ، وكان بمستوى أعلى من الطاقات والإمكانات البشرية لما اعتبر الناس أن التطبيق العملى الذى كان يمارسه ويعايشه دليلاً على واقعية الرسالة وشككوا فى امكانية تطبيقها على البشر العاديين .
الثانى : هو التسليم بأننا لسنا بحاجة لأن يكون للرسول قوة غير عادية ، لأن رسالته ليست تغيير النظام المألوف للكون أو القيام بحركات استعراضية خارقة للعادة ليلفت الأنظار إليه ، الرسول تتمثل مهامه فى الرسالة ، وشرطها الوحيد أن يمتلك الطاقات التى تؤهله لتلقى تلك الرسالة بالوحى والقدرة على حملها وإبلاغها للناس .. ثم القدرة على تطبيقها وقيادة الناس لذلك .. أما فى غير ذلك فالأمر يخضع لإرادة الله عز وجل فيبلغه بمعلومات لا تتاح إلا من خلال الوحى أو من حيث المعجزة التى يمكنه الله منها .
ومن الجدير بالذكر أن الأسلوب النبوي كان يتحرك لإبعاد كل التهاويل والضغوط النفسية التي تدفع الناس إلى الإيمان بفعل الصدمة الضاغطة من الخارج من دون تفكير، لأن رسالته هي أن يفكروا بالإيمان ويقتنعوا به من خلال استيعاب كل مفرداته ووسائله. ولهذا برز إليهم كرسول لا يحمل أية قدرات ذاتية خارج بشريته، ولا يقدم لهم أية أمور خارقة للعادة في الصورة المادية على الصعيد الكوني، بل يحمل إليهم وحي الله، رسالةً تثير الفكر وتفتح القلب وتلتقي بإنسانية الإنسان وترتفع به إلى آفاق الله، وتدفعه إلى المنهج العقلي في متابعة آيات الله في النفس وفي الكون كله، ليرى الله في وحدانيته متمثلاً في كل آية من آياته الكونية والإنسانية، ولا يرى غيره في مواقع قدرته، فهو الخالق ولا خالق غيره، وهو المهيمن على الأمر كله والمدبِّر للحياة كلها في كل مواقع الوجود (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلا نَذِير مُبِين)(الأحقاف:9).
وكما في قوله تعالى: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَك إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ(الأنعام:50). وقوله تعالى: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِير وَبَشِير لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(الأعراف:188).
وقد آمن المؤمنون به لأنهم فتحوا عقولهم على مضمون الرسالة واقتنعوا بها، وعرفوا صدق الرسول وآمنوا به، وهذه هي عظمة الإسلام الذي هو دين الحياة في امتداداتها المستقبلية، وفي احترامه لعقل الإنسان والدعوة إلى تحريكه وتنميته وتطويره بالتأمل تارة، وبالتجربة أخرى، وبالحوار ثالثة، ليكون الإيمان ذاتياً للمؤمن مما يستوحيه ويتعلمه ويفكر به، وهذا هو أسلوب النبي محمدصلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله في مواجهتهم لأعداء الرسالة، فإنهم يصبرون عليهم ليتخلصوا من رواسب الجمود الذي جمَّد عقولهم، ولتندفع ينابيع الفطرة إلى أعماقهم، لتمنحهم خصب الإيمان ونموَّ الوعي وحركية الحقيقة.