حسن الاستماع ودوره في بناء العلاقات
للنجاح خطوات لا يتم إلا بها ومنها :أن يشعر الإنسان بالمسؤولية عن أفعاله واختياراته ، وأن يحدد ويختار أهدافه في الحياة ، وأن يسخر وقته لتحقيق هذه الأهداف..
إلا أن هذه الخطوات لا تبلغ بالمرء مبلغ النجاح إلا إذا توافرت لديه مقومات العلاقات الناجحة مع الآخرين ، فالإنسان لا يعيش وحده في هذه الحياة لكن هناك خلق آخرين يختلط بهم ، كل من هؤلاء له أهدافه الأخرى التي يسعى إلى تحقيقها ، وبوجود هذا الخلق مع الإنسان كان لزاماً عليه أن يدرك كيف يتعامل معهم بما لا يعوق تحقيق أهدافه أو أهدافهم وحتى لا يتفرق الناس وتتشتت الطاقات يبذل من الجهد الكثير ولا يتحقق إلا القليل ، ولهذا ليس بناجح بعد من لا يصل إلى مرحلة التعاون والتواصل مع الآخرين.
وهذه المرحلة تعني توحد الطاقات مع الآخرين في سبيل التعاون على البر والتقوى ، وما فيه خير للناس سواء في معاشهم أو آخرتهم ، وهو ما يعني بناء علاقات قوية وطيدة مع الآخرين..
وأولى خطوات بناء هذه العلاقة أن تحسن الاستماع إليهم والإنصات لهم ، فالاستماع الجيد والإنصات للآخرين يساعد على أن تتعرف أفكارهم ويكشف ما يجول في خاطرهم ، فإذا تحاور معهم كان راشداً في كلامه ، حكيماً في آرائه وأحكامه ، عالماً بما يليق وبما لا يليق ، حذراً مما يضر ، ومستعيناً بما ينفع ، فلا ينفذ كلامه إلا إلى قلوبهم ، ولا ينال من محاوريه إلا الاحترام والتقدير ، وبهذا تبدأ العلاقة القوية مع من شاء منهم وهذه أهم صفة من صفات الناجحين..
تجنب ردود الفعل المدمرة عند الإنصات للآخرين:
عندما ننصت لبعضنا كأفراد أو لآبائنا كآباء أو لأبنائنا كأبناء فيجب ألا ننصت لكي نحضر في عقولنا ما نرد به على الطرف الآخر ، أو لنتبادل الاتهامات ، ولا لكي نتعالى ونتكبر على بعض ولا لكي نبرر تصرفاتنا بأسباب غير مقنعة أو وجيهة ، فكل ذلك يسمى ردود الفعل المدمرة التي يجب أن نتجنبها:
ردود الفعل المدمرة:
1- الإنصات لتحضير ما نرد به وليس للفهم:
يكفينا في هذا قول الشافعي: "ما جادلت أحداً إلا وتمنيت أن يكون الحق على لسانه" ويكفينا القول" قولي صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب"
2- تبادل الاتهامات في جلسة سماع نصيحة من شخص ما:
إذا جاءك من ينصحك فليكن همك أن تستمع منه ، وأن تعي ما ينصحك به ، ولا يكون همك أن ترد النصيحة بأخرى.
3- سرعة الرد: أعط لنفسك فرصة للتفكير قبل الرد.
4- إصدار أحكام مسبقة على الشخص من قبل الاستماع لرأيه ومقالته.
5- يجب أن نكون على استعداد لتقبل الحق من أي إنسان مهما كانت دنو مكانته ، أو ضعف عشيرته ، أو صغر سنه ، فكل يؤخذ منه يرد عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
6- التبرير: يجب أن نعترف بالخطأ إذا وقعنا فيه ، وألا نخجل أن يقول أحدنا "أنا آسف أنا أخطأت" وهذه من الأشياء التي تسبب مشكلات كثيرة بين الناس وفي تربية الأولاد ، فكثير من الآباء يخجل أن يعترف بخطئه ، وكذلك من هم في موقع المسؤولية يرون أنفسهم دائماً على حق ويحملون الآخرين أخطائهم..
ويجب أن نعرف أننا إن لم ننصت لأبنائنا بحق فسوف يتوجهون لمن ينصت إليهم ، وهؤلاء قد لا يكونوا مؤتمنين في قولٍ يقولونه أو فعلٍ يفعلونه..
7- التعالي والتكبر:
لقد أهلك من كان قبلنا من الأمم أنهم ما استمعوا إلى نصيحة نبي قط استكباراً من أنفسهم وعلواً..وقد كان إمامهم جميعاً إبليس اللعين ، فما لهم في الآخرة إلا النار خالدين فيها ساءت مستقراً ومصيراً ، وكان الإمام الغزالي يعلق على الأمم الظالمة ومصائرها وما نالها من سنن الله بقوله"إن الأمم الفاسدة تلتقي على نعوت واحدة ، قسوة لا ترق لضعف ، وجحود لا يكترث بوعظ وعكوف على الدنيا غير آبه لما بعدها ، ونسيان لله لا يبالي بحقه"
وقبل أن ننهي الحديث عن حسن الاستماع للآخرين نورد قصة من هدي نبينا صلى الله عليه وسلم نتعلم منها كيف يكون الإنصات الجيد وحسن الاستماع للآخرين مهما اختلفت آرائهم وتباينت عقائدهم..
" لما رأى المشركون أن ما صبوه على المسلمين من أذى لم يزدهم إلا تمسكاً بدينهم اجتمع قادتهم ليتشاورا في الأمر ، فأشار عليهم عتبة بن ربيعة وكان سيداً مطاعاً في قومه بأن يذهب إلى محمد فيعرض عليه أموراً لعله يقبلها، ويقلع عما هو ماضٍ فيه فقبلوا برأيه ، فذهب إلى النبي صلى الله عليه سلم فصادفه يصلي فلما أتم صلاته فاتحه في الحديث وقال له: ( يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من خيارنا حسباً نسباً ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت أحلامهم وعبت آلهتهم ودينهم ، وكفرت من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل بعضها)
فقال النبي صلى الله عليه سلم : قل يا أبا الوليد اسمع
قال عتبة ( يا ابن أخي إن كنت تريد بما جئت به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا ، وإن كان الذي يأتيك رئي من الجن لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب..)
فقال له النبي: أفرغت يا أبا الوليد
قال: نعم
قال النبي: فاسمع مني
بسم الله الرحمن الرحيم
( حم ( 1 ) تنزيل من الرحمن الرحيم ( 2 ) كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ( 3 ) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ( 4 ) وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون ( 5 ) ) فصلت
فلما انتهى النبي صلى الله عليه سلم إلى هذا الحد أمسك عتبة بفيه وناشده الرحم أن يكف عن قراءته..
فلما رجع عتبة إلى قريش قال لهم: ( والله لقد سمعت قولاً ما سمعت مثله من قبل قط ، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة ولا بالسحر . يا معشر قريش أطيعوني فاجعلوها لي ، خلوا ما بين الرجل وما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكونون لكلامه الذي سمعت نبأ...)
وهنا نحن أمام موقف عظيم ، فهذا سيد المرسلين وإمام المتقين يدعو للخير والحق والعدل وعبادة الله الواحد الأحد ، والإيمان بالبعث والجنة والنار ، وذاك رجل سفيه يريد أن يثنيه عما أراده من إبلاغ الحق للناس يقول نعطيك مالاً وملكاً وسلطاناً ، ومع ذلك فالنبي يستمع إليه ، وينصت ، ولا يبدأ بالحديث إلا بعد أن تأكد أن الرجل قد فرغ من مقالته ، ولم يعد عنده ما يكمل به حديثه.
لقد علمنا رسولنا الكريم أن ننصت ونستمع لمن يخالفنا الرأي أو العقيدة أو حتى من ليس عنده عقيدة أصلاً حتى نفهم مقالتهم ونحسن الرد عليهم.
المصدر: كتاب العادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية
- تفضل بالدخولأو سجل لتعلق
- أرسلها لصديق
- قرأت 285 مرة



